الخطيب الشربيني
36
مغني المحتاج
عليه . ( إلى معنى يقترن به ) لا إلى ذاته ، لأن النهي ليس للبيع بخصوصه ، بل لأمر آخر . هذا هو القسم الثاني ، فجميع ما فيه من الصور يصح فيها البيع ويحرم إلا في الصورتين الأخيرتين آخر الفصل ، ولو قدمهما عليه كان أولى . ثم شرع في الصور التي لا يبطل البيع فيها وهي سبعة مبتدئا بواحدة منها فقال : ( كبيع حاضر لباد ، بأن يقدم ) شخص ( غريب ) أو غيره ( بمتاع تعم الحاجة ) أي حاجة أهل البلد ( إليه ) كالطعام وإن لم يظهر بيعه سعة في البلد لقلته ، أو لعموم وجوده ورخص السعر ، أو لكبر البلد ، ( ليبيعه بسعر يومه ) أي حالا ، ( فيقول ) له شخص ( بلدي ) أو غيره : ( اتركه عندي ) أو عند غيري ( لأبيعه ) لك ( على التدريج ) أي شيئا فشيئا ، ( بأعلى ) من بيعه حالا ، وذلك لخبر الصحيحين : لا يبع حاضر لباد زاد مسلم : دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض وقال ابن شهبة : زاد مسلم : دعوا الناس في غفلاتهم إلخ . والمعنى في التحريم التضييق على الناس ، فإن التمسه البادي منه بأن قال له ابتداء : أتركه عندك لتبيعه بالتدريج أو انتفى عموم الحاجة إليه كأن لم يحتج إليه أصلا أو إلا نادرا ، أو عمت وقصد البدوي بيعه بالتدريج فسأله الحضري أن يفوضه إليه ، أو قصد بيعه بسعر يومه فقال له : اتركه عندي لأبيعه كذلك لم يحرم لأنه لم يضر بالناس ، ولا سبيل إلى منع المالك منه لما فيه من الاضرار به ، ولهذا اختص الاثم بالحضري كما نقله في زيادة الروضة عن القفال وأقره . فإن قيل : الأصح أنه يحرم على المرأة تمكين المحرم من الوطئ ، لأنه أعانه على معصية ، فينبغي أن يكون هذا مثله . أجيب بأن المعصية إنما هي في الارشاد إلى التأخير فقط وقد انقضت لا الارشاد مع البيع الذي هو الايجاب للصادر منه . وأما البيع فلا تضييق فيه ، لا سيما إذا صمم المالك على ما أشار به حتى لو لم يباشره المشير عليه باشره غيره بخلاف تمكين المرأة الحلال المحرم من الوطئ ، فإن المعصية بنفس الوطئ . ولو استشاره البدوي فيما فيه حظه ففي وجوب إرشاده إلى الادخار والبيع بالتدريج وجهان ، أوجههما يجب إرشاده كما قال الأذرعي إنه الأشبه وكلام الروضة يميل إليه ، والثاني : لا ، توسيعا على الناس . ولو قدم البادي يريد الشراء فتعرض له حاضر يريد أن يشتري له رخيصا - وهو المسمى بالسمسار - فهل يحرم عليه كما في البيع ؟ تردد فيه في المطلب ، وقال ابن يونس في شرح الوجيز : هو حرام ، وينبغي كما قال الأذرعي الجزم به . والحاضر : ساكن الحاضرة ، وهي المدن والقرى والريف ، وهي أرض فيها زرع وخصب ، والبادي : ساكن البادية ، وهي خلاف الحاضرة . والتعبير بالحاضر والبادي جرى على الغالب ، والمراد أي شخص كان كما مرت الإشارة إليه . ثم شرع في الصورة الثانية فقال : ( وتلقي الركبان بأن يتلقى ) شخص ( طائفة يحملون متاعا ) طعاما أو غيره ( إلى البلد ) مثلا ، ( فيشتريه ) منهم ( قبل قدومهم ) البلد ( ومعرفتهم بالسعر ) فيعصي بالشراء ويصح وإن لم يقصد التلقي ، وذلك لقوله ( ص ) : لا تلقوا الركبان للبيع رواه الشيخان . والمعنى فيه احتمال غبنهم سواء أخبرهم المشتري كاذبا أم لم يخبر . ( ولهم الخيار إذا ) أغبنوا ، و ( عرفوا الغبن ) ولو قبل قدومهم لما رواه البخاري : لا تلقوا السلع حتى يهبط بها إلى السوق ، فمن تلقاها فصاحب السلعة بالخيار وهو على الفور قياسا على خيار العيب ، فإن التمسوا البيع منه ولو مع جهلهم بالسعر ، أو لم يغبنوا كأن اشتراه منهم بسعر البلد أو بدونه وهم عالمون فلا خيار لهم لانتفاء المعنى السابق ، وكذا لا خيار لهم إذا كان التلقي بعد دخول البلد ولو خارج السوق لامكان معرفتهم الأسعار من غير المتلقين وإن كان ظاهر الخبر يقتضي خلافه ، وبعضهم نسب لظاهر الحديث خلاف ذلك فاحذره . ولو لم يعرفوا الغبن حتى رخص السعر وعاد إلى ما باعوا به ففي ثبوت الخيار وجهان في البحر ، أوجههما عدم ثبوته كما في زوال عيب المبيع وإن قيل بالفرق بينهما وتلقي الركبان للبيع منهم كالتلقي للشراء في أحد وجهين رجحه الزركشي ، وهو المعتمد نظرا للمعنى وإن رجح الأذرعي مقابله ، وبعضهم نسب للأذرعي خلاف ذلك فاحذره . والركبان جمع راكب ، والتعبير به